الرئيسية / الفعاليات العلمية / مقالات / الأخطار و التحديات الناجمة عن شحة المياه

الأخطار و التحديات الناجمة عن شحة المياه

بقلم : م.د. فاضل عبد العباس حسن – دكتوراه هندسة مياه و منشآت هيدروليكية
كلية الهندسة – جامعة الكوفة
لعل التحدي الأبرز الذي يواجه الانسانية و حياة الانسان بصورة عامة هو التغيرات المناخية التي يشهدها الغلاف الجوي للكرة الارضية خلال العقدين الأخيرين وان الشغل الشاغل للمنظمات و مراكز الابحاث الدولية ذات العلاقة هو ايجاد الحلول الناجعة لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري و الارتفاع الملحوظ في معدلات درجات الحرارة في كل بقاع المعمورة وخصوصاً ما تتعرض له منطقة الشرق الأوسط بالتحديد من ارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة و الانخفاض الشديد في معدلات سقوط الأمطار.
ولعل المثال الأبرز لهذه الظواهر المناخية ما يتعرض له العراق على صعيد وصول درجات الحرارة فيه الى اكثر من 50 درجة مئوية خلال فصل الصيف، كما امتاز مناخ العراق في الآونة الأخيرة بطول موسم الصيف الذي يمتد لأكثر من 8 اشهر بينما تقتصر فترة الاعتدال الحراري لمدة لا تتجاوز الشهرين و كذلك الحال بالنسبة لفصل الشتاء الذي يمتاز بكونه فصل جاف خالي من الأمطار غالباً او تسقط فيه الأمطار بمعدلات منخفضة جداً.
كل هذه العوامل و غيرها التي سيرد ذكرها لاحقاً تعد من ابرز الاسباب لظاهرة الجفاف و شح المياه في حوض نهري دجلة والفرات شرياني العراق والذي من خلالهما تدب الحياة على كافة الاصعدة المتعلقة بمعيشة الفرد العراقي الزراعية منها و الصناعية و التجارية.
في حالة حدوث ظاهرة الجفاف في أي منطقة بالعالم يمكن ان تعزى الى عدة عوامل اهمها:
1. ارتفاع معدلات درجات الحرارة عموماً في فصل الصيف و استمراريته لفترات طويلة حيث يغلب المناخ الحار الجاف طيلة ايام السنة.
2. قصر فترة موسم الشتاء مع قلة تساقط الأمطار فيه و لربما انقطاعها لعدة سنوات.
3. عدم وجود مصادر كافية من المياه السطحية كقلة وجود الأنهار و الجداول و البحيرات.
4. عدم وجود مصادر كافية من المياه الجوفية او رداءة نوعيتها مما يصعب ايجاد حلول لتحسين النوعية.
5. قلة الواردات المائية من المنابع الرئيسية للأنهار و خصوصاً في حال اشتراك اكثر من دولة بنهر واحد (دول متشاطئة) و انشاء سدود من شأنها التحكم بكميات المياه الواردة.
6. لنفس السبب المذكور في نقطة رقم 5، توجد اجراءات اخرى من شأنها تقليل الواردات المائية بين عدد من الدول المتشاطئة الا و هو تحويل مجاري بعضها و تغيير مسارها للحيلولة دون استفادة دولة اخرى من واردات ذلك النهر.
7. سوء الادارة المائية و التي تندرج تحت اكثر من مفهوم، اهمها:
a. الهدر في الري: حيث لا توجد اساليب حديثة للري و استخدام اسلوب الري العشوائي للمحاصيل الزراعية و بحصص مائية تفوق المقنن المائي المفروض توفره لكل نوع من انواع هذه المحاصيل.
b. عدم وجود عدادات داخل الوحدات السكنية و المرافق الخدمية و المجمعات الصناعية التي من شأنها حساب وحدات استهلاك الماء مما يساعد على استهلاك الماء بمعدلات عالية دون وجود مقابل مادي وان وجد فهو رمزي ولا يتناسب مع حجم الاستهلاك.
c. عدم وجود سدود و منشآت خزن للمياه بعدد كافي من شأنها تأمين الحصص المائية الكافية للاستخدامات المختلفة.
d. عدم الاستفادة من مياه الأمطار بصورة فاعلة كعمل مستجمعات لمياه الأمطار (الحصاد المائي).
e. عدم تفعيل دور المياه الجوفية بأن تكون مصدر رئيسي للمياه على مستوى كونها مصدر مهم لمياه الشرب و الري خصوصاً اذا توفرت بنوعية جيدة او على الأقل يسهل معالجتها و بكلفة قليلة جداً.
f. وجود عدد كبير من محطات الضخ في وضع سيء وتحتاج الى صيانة واعادة تأهيل.
8. الاعشاب المائية وعوامل التلوث البيئي تنتشر في الانهر الرئيسية والفرعية.
تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم افتقارا للمياه، فبالرغم من أنها تضم 5 بالمائة من سكان العالم، فإنه لا يتوفر فيها سوى 1 بالمائة من مخزون العالم من المياه. لذلك تذهب بعض آراء الخبراء إلى أن المياه قد تتحول إلى سبب للحروب القادمة بسبب النقص المتزايد في هذه الثروة الطبيعية الحيوية. على سبيل المثال النزاع حول نهر الحاصباني بين إسرائيل ولبنان، إضافة إلى الخلاف بين دول حوض النيل حول حصة كل دولة، وأيضا الخلاف التركي السوري العراقي بسبب السدود التي تبنيها تركيا على منابع نهري دجلة والفرات.
لكن مشكلة نقص المياه لا تقتصر على الدول النامية فحسب، إنما تشمل أيضا الدول الغنية. فقد أعربت المفوضية الأوروبية مؤخرا عن قلقها الشديد من النقص المستمر في مصادر المياه في أوروبا. فوفقا لدراسة حديثة أجرتها المفوضية فأن غالبية الدول الأوروبية تستهلك كمية من الماء تفوق مخزونها، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية. يذكر أن بعض المصانع في ألمانيا اضطرت إلى إغلاق أبوابها عام 2003 نتيجة لنقص المياه.
وتتابع الدراسة أن 40 بالمائة من الماء المستهلك في الاتحاد الأوروبي يمكن توفيره (مهدور)، فمثلا تتسرب من المواسير الهالكة في اسبانيا وايطاليا سنويا ما يقرب من نصف كمية المياه العذبة، لكن المشكلة الرئيسية كما ترى الدراسة هي الماء المهدور في عملية الري الزراعي.
ارقام عن واقع الأزمة في العراق
المياه السطحية
يبلغ المعدل السنوي للإيرادات الطبيعية من نهري دجلة و الفرات و روافدهما 77 مليار متر مكعب في السنة المائية المعتدلة حيث ان 48 مليار متر مكعب من نهر دجلة و 29 مليار متر مكعب من الفرات وفي حالة السنة المائية الجافة 44 مليار متر مكعب بواقع 28 مليار متر مكعب من نهر دجلة و 16 مليار متر مكعب من نهر الفرات، وتعد المناطق الوسطى والجنوبية من اكثر المناطق الزراعية اعتماداً على مياه الأنهار في الري ويقدر استهلاك الماء السطحي لأغراض الزراعة بنسبة تفوق الـ 75%.
المياه الجوفية
ان استغلال المياه الجوفية في العراق مازال محدوداً جداً، و تقدر كميات المياه الجوفية للاستعمال نحو 2 مليار متر مكعب تستخدم في ارواء الاراضي الزراعية و التي تقدر مساحتها بـ 125 الف هكتار و يقدر الاحتياطي المتجدد منها بحوالي 3.5 مليار متر مكعب وان نسبة ما يستغل منها في المناطق الشمالية والوسطى لا تتجاوز (20-25%) في حين لا تتجاوز نسبة الاستغلال في منطقة الصحراء الغربية عن 0.2% فقط.
مياه الأمطار
يبلغ اجمالي الهطول المطري في العراق (99.9) مليار متر مكعب سنوياً وان حصة المنطقة الشمالية لا يقل عن 75% من مجموع كمية الامطار الساقطة فوق ارض العراق سنوياً. و تتوزع المنطقة المطرية في العراق الى ثلاثة اقسام رئيسية هي:
1. مضمونة الأمطار (ما يزيد عن 450 ملم في السنة) 15%
2. شبه مضمونة الأمطار (تتراوح ما بين 350 – 450 ملم في السنة) 23%
3. غير مضمونة الأمطار (اقل من 350 ملم في السنة) 62%
لذلك فان الجزء الأكبر من هذه المنطقة تحت ظروف انتاجية غير ملائمة تخضع للتقلبات المناخية المتذبذبة لكمية الأمطار سنوياً حيث ان الزراعة تحتاج الى الري المنظم لعدم كفاية الأمطار الساقطة وهذا يشمل المناطق الواقعة على نهر الفرات بصورة عامة.
و لأجل النهوض بالواقع المائي و تأمين الحصص المائية الكافية للاستهلاكات المختلفة لا بد من وجود ادارة مائية كفيلة بالنهوض بهذا الواقع والذي من الممكن ان يتحقق بالإجراءات التالية:
1. استخدام طرق الري الحديثة كالري بالرش والتنقيط لتقليل الهدر بكميات المياه المستخدمة بطرق الري التقليدية.
2. تبطين القنوات لكي نستغل المياه الموجودة بشكل افضل.
3. اجراء الدراسات و المسوحات والتصاميم والقيام بالتنفيذ في مجال بناء السدود.
4. الاهتمام بمشاريع تحلية المياه المالحة و تحسين نوعية مياه البزل لإعادة استخدامها مرة اخرى.
5. الاهتمام بصيانة السدود و المنشآت الهيدروليكية مثل سد الموصل وكذلك اكمال تنفيذ مشروع المصب العام لجمع مياه البزل من مساحات واسعة في وسط وجنوب العراق وغيرها من المشاريع الاستراتيجية والمهمة الاخرى.
6. استغلال المياه الجوفية كمصدر ثانوي معتمد في الاستهلاكات المائية المختلفة و اجراء مسوحات جديدة للكشف عن مواقع اخرى يمكن استخراج المياه الجوفية منها و لعموم العراق.
7. اعادة تدوير مياه الفضلات عن طريق اقامة مشاريع متخصصة في هذا الغرض و جعلها مياه صالحة للاستهلاكات البشرية مرة اخرى على غرار ما معمول به في الدول المتقدمة.
8. نصب عدادات جديدة و متطورة لحساب وحدات استهلاك الماء مقابل اجور معقولة تحد من الافراط في استخدام الماء.

شاهد أيضاً

الحوادث المرورية لطريق المطار والحلول الاستراتيجية

الاستاذ المساعد الدكتور حامد عذاب عيدان تعد مدينة النجف الاشرف من المدن ذات النمو السكاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *