الرئيسية / الفعاليات العلمية / إصلاح القطاع المصرفي ودوره في أعادة هيكلة وتصحيح الاقتصاد العراقي

إصلاح القطاع المصرفي ودوره في أعادة هيكلة وتصحيح الاقتصاد العراقي

د.أحمد صالح العكايشي
كلية الهندسة / جامعة الكوفة
يعاني الأقتصاد العراقي المعتمد أساسا على النفط من مشاكل وتعثرات كثيرة وأخرها ما حصل بعد الهبوط الحاد بأسعار النفط بسبب قلة الطلب العالمي عليه نتيجة لجائحة كورونا. بلغت ميزانية العراق لعام 2019 حوالي 111,8مليار دولار نصفها يذهب كمخصصات و رواتب لموظفي الدولة والمتقاعدين والرعاية الأجتماعية بواقع 52 مليار دولارحيث أعتمد سعر برميل النفط على أساس 56دولارا في الوقت الذي كان يباع فيه البرميل ب63 دولارا(1) . بعد الانخفاض الحاد في أسعار النفط ووصولها الى دون ال30 دولار للبرميل الواحد, أصبحت ميزانية البلد وأقتصاده على المحك فالحكومة قد لا تستطيع تسديد أجور العاملين فيها ورواتبهم الى نهاية السنة بدون تقليل أو أقتراض داخلي وخارجي. اذا أين ذهبت تلك الأموال الخاصة بالميزانيات السابقة؟ هل يعقل أنها تبخرت؟!.
يشير السيد مدير البنك المركزي العراقي “علي العلاق” الى زيادة ظاهرة الأكتناز المالي خارج المنظومة المصرفية في العراق الى مستويات خطيرة حيث تم تسجيل حوالي 77% من من العملة المتداولة خارج إطار منظومة الجهاز المصرفي وهي في حالة اكتناز(2). أن ظاهرة قلة حركة الاموال النقدية تعد ظاهرة غير صحية فهي بالأضافة الى انها تقلل النشاط الأقتصادي فهي تعطي نوع من الغموض على حجم السيولة النقدية الموجودة فعلا مما يؤثر على أي عملية حذف أصفار أو تبديل عملة.
هناك اسباب عديدة تقف وراء أرتفاع حالة الأكتناز في العراق من أهمها الفساد الذي شمل العديد من قطاعات الدولة ومنها المصارف. الأمر الأخر يتثمل بعدم ثقة الكثير من المواطنين بالمصارف فمن التجارب السابقة ان أيداع الأموال في بعض المصارف يعد مجازفة. فالحكومة قد وضعت بعض المصارف في وضع عدم الثقة عندما أخرت أو أمتنعت عن تسديد مستحقات فئات كثيرة من القطاع الخاص كالفلاحين والمقاولين ولسنوات عديدة(2).
وقد بين مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية العديد من الأسباب الأخرى التي تؤدي الى عزوف المواطنين عن أيداع أموالهم في المصارف منها: 1- خسارة حوالي 5% من قيمة الدولار عند أيداعه في المصرف وسحبه. 2- المشاكل مع المصارف الاهلية حيث أن بعض المصارف لا تمتلك السيولة الكافية لتسديد مستحقات العملاء وبعضها أغلق ابوابه وهرب دون سابق أنذار وبلا حساب(3). وما حصل مع مصارف الوركاء والبصرة ودار السلام والاقتصاد وغيرها خير شاهد، حيث مازال المودعون يطالبون بأموالهم بعد إفلاس المصارف من خلال المظاهرات التي ينظمونها بشكل دوري أمام مباني المؤسسات المالية مثل البنك المركزي.
خطوتان مهمتان تم اتخاذهما في السنوات الخيرة لمنع تردي النظام المصرفي العراقي والواقع الاقتصادي في البلد بشكل عام وهما: مشروع توطين رواتب موظفي الدولة بضمنها مستحقات المتقاعدين ورواتب الرعاية الأجتماعية والخطوة الثانية هي تأسيس الشركة العراقية لضمان الودائع .
مشروع توطين رواتب موظفي الدولة
أن الهدف الأساسي من مشروع توطين الرواتب هو أبعاد المواطنين عن الأكتناز ونشر ثقافة اللا نقد في السوق العراقية (4). حيث من المتوقع أن يتم فتح حساب لأكثر من 7 ملايين مواطن في مصارف حكومية وأهلية لغرض توطين رواتبهم ومستحقاتهم فيها. تعرض هذه المصارف في المقابل خدمات معينة للعملاء تختلف من مصرف لأخر كالقروض والسلف والبطاقات الذكية وغيرها. فهل حقق التوطين هدفه الأساسي في منع الأكتناز؟!
ما يحدث اليوم هو عملية نقل صرف الرواتب والمستحقات من دوائر الحسابات في الوزارات والدوائر المختلفة الى المصارف بعد أخذ المصارف (عمولة) تستقطع من الراتب. أي أن الراتب يسلم نقدا بعد أستقطاع مبلغ الخدمات المصرفية فأين عملية منع الأكتناز في ذلك؟ّ! نعم قد يقوم المصرف بأستقطاع مبالغ أضافية في حال أن هناك قرض أو سلفة وهذه العملية تجري لمصلحة المصرف فقط دون العميل.
أصبح التحول الرقمي للمصارف ضرورة ملحة لتلبية أحتياجات العملاء خاصة في الظروف الحالية التي ولدها فايروس كورونا. ولعرض جملة من الخدمات المصرفية التي تقدمها العديد من المصارف العالمية مجانا لعملائها لغرض تشجيع المصارف العراقية لتقديم مثل هذه الخدمات من أجل تعزيز ثقة العملاء:
1- فتح الحساب مجاني.
2- أصدار وتجديد البطاقات الألكترونية بصورة مجانية.
3- أمكانية السحب والأستعلام عن الرصيد من أي ماكنة صراف ألي ((ATM لأي مصرف أخر بصورة مجانية.
4- وجود مكائن صراف ألي كافية.
5- أصدار بطاقات الدفع عن بعد (Contactless Cards) مجانا.
6- أمكانية دفع أجور الماء والكهرباء والخدمات الأخرى عبر البطاقة المصرفية وبدون رسوم.
7- أمكانية استخدام البطاقة المصرفية في التسوق المباشر أو التسوق الالكتروني وبدون رسوم.
8- تفعيل التعامل المصرفي عبر التطبيقات (Internet Banking) وبدون رسوم.
هذه أهم النقاط التي تجعل العديد من الموظفين الموطنة رواتبهم يثقون بالمصارف ولا يسحبون كل المبلغ عند بداية كل شهر بل يحتفضون به في الحساب ويصرفون عبر البطاقة المصرفية اوعبر ألية الدفع عن بعد بأستخدام البطاقة أو جهاز الهاتف الذكي. أن هذه الأجراءات المصرفية كفيلة بتقليل نسبة الأكتناز النقدي الى نسب معقولة.
تأسيس الشركة العراقية لضمان الودائع
في عام 2019 أعلن البنك المركزي العراقي عن حصول الشركة العراقية لضمان الودائع/ مساهمة مختلطة على شهادة التأسيس برأس مال قدره 100 مليار دينار عراقي وبمساهمة 42 مصرفا حكوميا وأهليا (5). تهدف الشركة الى حماية وتأمين الودائع المصرفية في المصارف العراقية مما يعزز ثقة المواطنين بالمصارف ويقلل من ظاهرة الاكتناز النقدي. ووفق المادة الـ13 من قانون شركةالعراقية لضمان الودائع المصرفية، فإن المبالغ أقل من مئة مليون دينار ستكون نسبة التعويض 51%، في حين أن المبالغ التي أكثر من مئة مليون دينار ستكون نسبة التعويض 25% (6). تجدر الاشارة الى تباين مقدار مبلغ التأمين على الودائع المصرفية من دولة الى أخرى فنسبة التأمين في تركيا تصل الى 100% وفي البحرين تصل الى 75% أعتمادا على الوضع الاقتصادي للبلد ومحددات اخرى (7).
واذا عدنا الى مشروع توطين الرواتب, فأن شريحة الموطنة رواتبهم ستكون الأكبر ضمن المودعين في المصارف وبواقع اكثر من7 ملايين مودع في مختلف المصارف. كيف يمكن حث هذه الشريحة على الأحتفاظ برواتبهم أو ما يتبقى منها في المصارف في الوقت الذي لا يتم فيه ضمان ألا نصف ما يدخرون في المصارف من قبل الشركة العراقية لضمان الودائع المصرفية. أن رفع نسبة التعويض للودائع المصرفية التي تقل عن 50 مليون دينار الى 100% كفيل بزيادة الثقة لدى الموطنة رواتبهم ومستحقاتهم في المصارف وتعطي دافعا كبيرا لعدم الأكتناز النقدي.
الخلاصة:
تعد ظاهرة الأكتناز وعدم تداول السيولة النقدية من المشاكل الكبيرة التي تؤثر على النمو الأقتصادي عند زيادتها عن الحدود الطبيعية. حيث لا يمكن أعادة هيكلة الاقتصاد العراقي دون السيطرة على المخزون النقدي ومعرفة حجمه الحقيقي. ولأعادة الثقة بين المواطنين والجهاز المصرفي العراقي قامت الحكومة العراقية بأجراء خطوتين أساسيتين. مشروع توطين رواتب موطفي الدولة وتأسيس الشركة العراقية لضمان الودائع المصرفية. ولأن أكبر شريحة مستهدفة ضمن هذا الأطار هي شريحة موظفي الدولة والمتقاعدين ومستحقي الرعاية الأجتماعية والذي يبلغ عددهم أكثر من 7ملايين عميل مصرفي, تم أقتراح بعض الملاحظات:
1- تحسين مستوى الخدمات المصرفية التي تقدم للموطنة رواتبهم بزيادة الخدمات المجانية وشمولها على الخدمات الألكترونية. مما يشجع الموطنة رواتبهم ومستحقاتهم على عدم سحب جميع مستحقاتهم دفعة واحدة.
2- زيادة نسبة الضمان التي تقدمها الشركة العراقية لضمان الودائع المصرفية للودائع الصغير التي لا تتجاوز 50 مليون دينار لتكون 100% مما يضمن حق الموطنة رواتبهم ومستحقاتهم عند أدخارهم جزء من مستحقاتهم في المصرف.
المصادر:
1- https://www.france24.com/ar/20190124-العراق-يصوت-على-موازنة-عام-2019-التي-تعد-بين-الأكبر-في-تاريخه.
2- https://yaqein.net/economy/98380.
3- https://rawabetcenter.com/archives/64330
4- http://awajelpress.com/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D9%88%D8%B6%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AF%D9%81-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D9%88%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85/
5- https://alsabaah.iq/15402/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B6%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D8%B9-%D8%AA%D8%AD%D8%B5%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B3
6- https://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2019/12/8/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%8A%D8%B7%D9%84%D9%82-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%84%D8%B6%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D8%B9
7- https://dif.gov.ly/?p=1160

شاهد أيضاً

فريق بحثي مشترك بين كلية الهندسة جامعة الكوفة ومعمل اسمنت الكوفة ينشرون بحثا علميا في احدى دور النشر العالمية

قام فريق بحثي مشترك بين كلية الهندسة جامعة الكوفة ومعمل سمنت الكوفة بنشر بحث علمي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *