الرئيسية / الفعاليات العلمية / مقالات / التلوث الضوئي في مدينة النجف الأشرف وتأثيره على تبيّن وقت صلاة المغرب

التلوث الضوئي في مدينة النجف الأشرف وتأثيره على تبيّن وقت صلاة المغرب

د. عماد علي الهلالي                                              د. مؤيد عدنان شحاذة
 
ملخص:
          مع ازدياد النشاط الصناعي وإضافات الإنسان للطبيعة تظهر مشاكل على صحته ونشاطاته لا بد من قياسها وتحديدها بدقة ثم تحري تأثيراتها المتنوعة لمحاولة موازنتها أو معالجتها والحد منها. وقد ظهرت الزيادة غير الطبيعية في الإضاءة منذ قرون طويلة ولا سيما حين بدأ العرب المسلمين باستعمال النفط في إضاءة المساجد والمدن طيلة الليل، ثم ظهر التأثير الأكبر في المائة سنة الأخيرة بعد ظهور المصابيح الكهربائية وشيوعها، فيما تُطرح مشاريع معاصرة لتوفير إضاءة ليلة باستعمال أقمار اصطناعية ذات مدارات ثابتة فوق مناطق محددة من العالم من أجل تعزيز النشاط المدني فيها.
          وقد ظهرت دراسات كثير حول تأثير التلوث الضوئي على صحة الإنسان والبيئة ورصد السماء، إلا أنها لم تسلط الضوء على تأثيرها على العبادات الإسلامية المرتبطة بالظواهر البصرية للغلاف الجوي وتأثير التلوث الضوئي عليها.
          ويؤثر التلوث الضوئي في مدينة النجف الأشرف في تحديد وقت صلاتي الفجر والمغرب، إذا يعتمد كلا الوقتين على ظواهر بصرية في الأفق الشرقي، أما وقت صلاة الفجر فيعتمد على تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر بإجماع فقهاء الإسلام، وأما المغرب فيعتمد على الأشهر على زوال الحمرة المشرقية من الأفق الشرقي.
          وقد قمنا باختبار وقت اختفاء الحمرة من جهة الأفق الشرقي بعد غياب قرص الشمس وقارناها برصودات سابقة لمعرفة مقدار تأثير التلوث الضوئي.
الكلمات المفتاحية: التلوث الضوئي، النجف، وقت صلاة المغرب.
  1. مقدمة:
          التلوث الضوئي (Light Pollution) هو تشتت الضوء في الهواء القريب لسطح الأرض والغلاف الجوي نتيجة تشتت الضوء العلوي في الغلاف الجوي بحيث يتم إعادة توجيهه إلى أسفل مرة أخرى [1]، ويمكن أن يصل إلى العين البشرية. ومن المؤكد وجود علاقة بين التلوث الضوئي وتلوث الهواء، ولا سيما في المناطق الصناعية، ويعتمد التأثير بالدرجة الأساس على عاملين: انبعاث الضوء ووفرة الجسيمات المتناثرة في الهواء [2].
  1. تأثيرات التلوث الضوئي على البيئة:
          البيئة الطبيعية على الأرض هي مجموعة عوامل كيميائية وقوى فيزيائية متوازنة منذ ملايين السنة، واعتمدت على خصائص البيئة حياة الكائنات تأثراً وتأثيراً، ولا يتوقف التوازن البيئي على كوكب الأرض على الغلاف الجوي الغني بالغازات والتركيب المتنوع للتربة على سطحه بل يرتبط بشكل مؤكد بالإشعاعات الكهرومغناطيسية (Electromagnetic Spectrum) الصادرة من الشمس ولا سيما المدى المرئي (Visible Range) من الطيف الكهرومغناطيسي الذي يشكل نسبة 45% منه [3].
          ويؤثر الضوء المرئي على نشاطات الكائنات البشرية على الأرض فهو يؤثر في التركيب الضوئي للنبات، ونشاطات الحيوانات وعلاقاتها مع بعضها، كما ترتبط مجموعة من النشاطات الحيوانية على الساعة البيولوجية (Biological Clock) لها لتي تنظم أوقات النوم الشعور بالجوع والتغيرات في مستوى الهرمونات والتزاوج ودرجة الحرارة في الجسم والحالات النفسية [4].
          وقد ازداد النشاط البشري الصناعي في المائة سنة الأخيرة وظهرت تأثيراته على جميع معالم الطبيعة، وصُنّفت أنواع متعددة من التلوث بمختلف مخاطرها على حياة الإنسان المباشرة وغير المباشرة، ومنها التلوث الضوئي.
          وينتج التلوث الضوئي بسبب الاستخدام الخاطئ للإضاءة الخارجية الاصطناعية، وأوضح مظاهره توهج السماء (Sky Glow) ، الناتج من تشتت الضوء الطبيعي أو الصناعي في الأجواء بسبب العوالق الهوائي أو بسبب الأضوية الصناعية مما يسبب وهجاً منتشراً يؤثر في عمليات رصد النجوم، يومكن ملاحظة الفارق من خلال رصد السماء في أماكن بعيدة عن المدن وملاحظة الفارق في عدد النجوم الهائل الذي يتبين في المناطق الخالية من الإضاءة الصناعية.
          ويؤثر التلوث الضوئي على صحة الإنسان كاضطرابات النوم نتيجة التعرض الشديد للضوء[5]. كما أشارت دراسة A. Haim and B. A. Portnov إلى تأثير الإضاءة الزائدة على التسبب بسرطان الثدي للنساء [6].
          ويؤدي الوهج الضوئي الزائد في الليل أحياناً إلى حصول حالة من التباين وعدم وضوح الرؤية في العين البشرية، مما يُسبب الإزعاج للأشخاص (Discomfort Glare)، وقد تؤدي في بعض الحالات الحساسة إلى الإصابة بالعمى الموضعي (Blinding Glare)، ككبار السن الذين يعانون من مشاكل في العين، أو الأشخاص المصابين بمرض الساد أو إعتام عدسة العين (Cataract)[7].
          ويؤثر التلوث الضوئي على النبات بخلخلة عملية التمثيل الغذائي، والنمو، وتوقيت الإزهار، وجميع الفعاليات البيولوجية للنباتات، لا سيما التي تختلف نشاطاتها بين الليل والنهار [8].
          كما تفيد بعض الدراسات إلى تأثير التلوث الضوئي حول البحيرات على منع بعض العوالق الحيوانية والحشرات من التغذّي والنمو بصورة صحيحة [9].
  1. الظواهر البصرية في الغلاف الجوي التي تؤثر على مواقيت الصلوات:
          من المعروف أن مواعيد الصلوات للمسلمين تعتمد على الظواهر البصرية في السماء، ومنها مواقيت صلاتي الفجر والمغرب، فبداية وقت صلاة الفجر حين تمتد الإضاءة المتأتية من الشمس بشكل أفقي على الأفق الشرقي، بحسب ما وصفها الله تعالى في القرآن: [حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ] (سورة البقرة: الآية 187)، وخبر علي بن مهزيار عن الإمام الجواد (عليه السلام) وفيه: (الفجر يرحمك الله هو الخيط الأبيض المعترض، وليس هو الأبيض صعداً فلا تصلِّ في سفر ولا حضر حتى تبيّنه، فإن الله تبارك وتعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال: [وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر]، فالخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل والشرب في الصوم، وكذلك هو الذي يوجب به الصلاة)[10].
          وتحصل ظاهرة الفجر عندما تكون الشمس تحت الأفق الشرقي بقرابة نصف عُشر الدائرة الكاملة للشمس حول الأرض بالمسار الظاهري المشاهد أي قرابة (-18) درجة في نظام الدرجات 360 درجة للدائرة الكاملة [11]. وينتهي وقت صلاة الفجر بطلوع الشمس.
          أما صلاة المغرب فالرأي الأشهر عند فقهاء الشيعة أن وقتها حين تزول الحمرة التي تظهر من جهة المشرق[12]، وينتهي وقت استحبابها بزوال الحمرة من جهة المغرب، وقد اعتمدت جداول المواقيت الصادرة من الجهات الدينية على موعد 15 دقيقة بعد غياب قرص الشمس [13] وهو يحصل عندما يكون قرص الشمس بزاوية (-4) تحت الأفق الغربي [14].
          والحمرة التي إلى جهة المشرق تحصل من انعكاس ضوء الشمس على الطبقة المتاخمة لسطح الأرض في الأفق الغربي لمنطقة الرصد [15].
          فهي تتأثر بالتلوث الضوئي للأجواء.
  1. العوامل البيئية في مدينة النجف الأشرف:
          تزداد نسبة الغبار في أجواء مدينة النجف الأشرف في العادة بسبب وجود مناطق جرداء إلى الغرب منها، وبسبب قلة الغطاء النباتي فيها، وقد توسعت في العقدين الأخيرين بسبب النشاط الديني للحوزة العلمية فيها وبسبب الهجرة من بقية المحافظات، ومن الزيادات العمرانية فيها إنشاء مطار النجف الدولي، وهو يقع إلى الجنوب الشرقي منها وتؤثر أضواؤه على تبين الفجر فيها.
          كما شهدت المدينة مثل غيرها من المدن تغير نوع الإضاءة، فبعد أن كان الشائع هو استعمال المصابيح النيونية صار الشائع استعمال مصابيح الفلورسنت، وتختلف مصابيح النيوتن بغلبة المركبة اللونية الحمراء فيها بخلاف مصابيح الفلورسنت.
          وقد تداخلت الحمرة الناتجة من انعكاس ضوء الشمس على الأفق الشرقي مع الحمرة الناتجة من مصابيح المدينة في العقود السابقة فسبب زيادة في وقت صلاة المغرب، ونلاحظ ذلك من تأخر الوقت المرصود من قبل بعض فقهاء الحوزة في النجف ممن رصدوا ظاهرة زوال الحمرة المشرقية.
  1. رصودات سابقة لموعد زوال الحمرة المشرقية:
          قال السيد أبو القاسم الخوئي: “ذهاب الحمرة المشرقية، المتحقق بعد استتار القرص بعشر دقائق أو اثنتا عشر دقيقة، ولا أنه ذهاب الحمرة عن تمام ربع الفلك أعني المشرق كله المتحقق بعد استتار القرص بربع الساعة ظاهراً – على ما جربناه مراراً” [16].
          وقال السيد محمد باقر الصدر في رسالته العملية عن وقت الحمرة: “وهي الحمرة التي نراها من جهة المشرق عند اختفاء قرص الشمس عن الأنظار، ويعبّر عنه الفقهاء بالحمرة المشرقية فإذا تلاشت هذه الحمرة عن جانب المشرق حلَّ وقت صلاة المغرب، ويحصل هذا عادة بعد غروب قرص الشمس عن الأفق باثنتي عشرة دقيقة أو بحوالي ذلك” [17].
          وقال السيد محمد الصدر: “في كم دقيقة يتم ذلك ابتداءً من سقوط القرص إلى انحسار الحمرة إلى جهة المغرب، أو قل: ما هو الزمن بين الغروب والمغرب. المشهور على الألسن أن الفرق عشرة دقائق تماماً. إلى حد كانوا يوقتون الساعة الغروبية على أن تكون في الثانية عشرة تماماً عند سقوط القرص. ويقولون أنه: في الثانية عشر وعشر دقائق تجب الصلاة. غير أن وجوبها مبني على الاحتمالات السابقة. فمن قال بوجوبها عند سقوط القرص فمعناه وجوبها عند تمام الساعة الثانية عشرة ومعناه أن وقت الغروب والمغرب واحد لأن معنى المغرب عندهم هو وقت وجوب الصلاة. ومن قال بوجوب الصلاة عند ذهاب الحمرة من جانب الشرق فقط فإنه يكفيه سبع أو ثمان دقائق على أقصى تقدير بعد الغروب. ومن قال بتأخر المغرب إلى زوال الحمرة عن دائرة نصف النهار وهو أقصى الاحتمالات وأحوطها، لم يكفه عشر دقائق بطبيعة الحال بل احتاج إلى اثني عشر إلى ثلاثة عشر دقيقة والأمر (مطاط) نسبياً ويحتاج إلى التأكد من زوال الحمرة من فوق الرؤوس، ولكنني أعتقد أنها على أي حال لا تبلغ الثانية عشرة والربع غروبية” [18].
          ولم نطلع على عمليات رصد حديثة بعد هذه المشاهدات التي يبدو أنها اعتمدت على طرائق بسيطة في القياس بدون حساب التلوث الضوئي.
  1. رصدنا لزوال الحمرة المشرقية:
          وقد أجرينا عمليات رصد في داخل مدينة النجف (شارع الأمير) وخارجها في منطقة خالية تقريباً الإضاءات المعتادة في المدن فاتضح أن وقت زوال الحمرة قد قل كثيراً، وعزونا سبب ذلك إلى تغير نوع إضاءة المدن [15].
          والشكل التالي يبين نتائج الرصد داخل مدينة النجف بتأريخ 11/5/2019 حيث كان وقت غروب قرص الشمس في تمام الساعة (6:50م) فسجلنا وقت زوال الحمرة المشرقية في الساعة (6:54 م). بعد الرصد بالعين المجردة وتحليل نسبة المركبة الحمراء في الحاسوب فيما بعد.
الشكل (1) رصد تغير الحمرة المشرقية في مدينة النجف الأشرف بتوقيت 11/5/2019 الساعة 6:50 م.
  1. النتائج والتوصيات:
          كان للتلوث الضوئي تأثير كبير على وقت صلاة المغرب المعتمد على وقت زوال الحمرة من الأفق الشرقي، وقد تغيرت نسبة المركبة الحمراء في الأضوية داخل المدينة ولكن لم تقل الإضاءة.
          والتوصيات بأن تتم عمليات رصد زوال الحمرة خارج المدينة.
          كما نوصل بأن توضع أغطية على المصابيح في الأماكن العامة ونشر ثقافة بينية في المنازل لوضع تلك الأغطية على مصابيح البيوت.
المصادر:
* القرآن الكريم
[1] Kohei Narisada and Duco Schreuder, 2004, ” Light Pollution
Handbook”, 2004, Springer Ed., p. 12.
[2] Stock, J. & Marin, Z. , 1991, “Pollution and pollution control in the Third World”, Crawford ed., 1991, p.48-50.
[3] Tariq Muneer, 2004, ” Solar Radiation and Daylight Models”, Napier University, Edinburgh, Elsevier Butterworth-Heinemann, 2nd Edition,  p. 34.
[4] Author links open overlay panelHans P.A.Van DongenDavid F.Dinges, 2005, “Circadian Rhythms in Sleepiness, Alertness, and Performance’, Principles and Practice of Sleep Medicine, ch. 35, 2005 Elsevier Inc, p. 435-443.
[5] Jerry A. Nathanson, “Light pollution”، www.britannica.com, Retrieved, 7-5-2019. Edited.
[6] A. Haim and B. A. Portnov, 2013, “Light Pollution as a New Risk Factor for Human Breast and Prostate Cancers”, Springer Science+Business Media Dordrecht, p. 105-112.
[7] “Light Pollution”, www.iau.org, Retrieved 11-4-2020. Page 4. Edited.
[8] Kevin J. Gaston, Jonathan Bennie, Thomas W. Davies and John Hopkins, 2013, “The ecological impacts of nighttime light pollution: a mechanistic appraisal”, Biological Reviews (2013), 88, p. 912–927.
[9] Franz Hö lker, Christian Wolter, Elizabeth K. Perkin, and Klement Tockner, ” Light pollution as a biodiversity threat”, Trends in Ecology and Evolution Vol.25 No.12, p. 681-682.
[10] كتاب الكافي، لمحمد بن يعقوب الكليني: ج3، ص 282، ط. دار الكتب الإسلامية، وكتاب الاستبصار في ما اختلف من الأخبار لمحمد بن الحسن الطوسي: ج1، ص 274 ط. دار الكتب الإسلامية.
[11]  المواقيت الإسلامية، محمد إلياس، ص 60، الطبعة المترجمة -النجف، بتقديم السيد محمد الصدر.
[12] شرائع الإسلام للمحقق الحلي: ج1، ص 47، ط. دار الكتب الإسلامية.
[13] تقويم الصائغ الهجري لعام 1438 هجري، الإصدار الخامس عشر.
[14] عماد علي الهلالي، 2004، المواقيت الشرعية للفرائض والنوافل، دار الصادقين- النجف.
[15] عماد علي الهلالي، 2019، “موضوع وقت صلاة المغرب”، مجلة الاستنباط، الصادرة من مركز عين للدراسات المعاصرة – النجف، العدد 4.
[16] كتاب الصلاة من التنقيح في شرح العروة الوثقى، تقريرات البحث الخارجي الفقهي للسيد أبو القاسم الخوئي: ج1 ص241-243.
[17] الفتاوى الواضحة، للسيد محمد باقر الصدر: 279، الفقرة (32).
[18] موسوعة ما وراء الفقه، للسيد محمد محمد صادق الصدر: ج1، ق2، ص 57-58.

شاهد أيضاً

إصلاح القطاع المصرفي ودوره في أعادة هيكلة وتصحيح الاقتصاد العراقي

د.أحمد صالح العكايشي كلية الهندسة / جامعة الكوفة يعاني الأقتصاد العراقي المعتمد أساسا على النفط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *